رئيس التحرير / طارق أحمد المصطفى

كل الألعاب

الحقيقة مجردة
2026-05-08

عندما يغتال الخطاب ملامح الوطن

عندما يغتال الخطاب ملامح الوطن

منذ 9 ساعات

كسر الإطار

محمد عثمان حسن

 ما اصعب أن يستيقظ المرءُ في وطنٍ كان يظنُّ أنَّ نهرهُ يغسلُ الأحقاد، فإذا به يرى ألسنةً من لهبِ الكراهية تقتلعُ جذورَ المودة من الصدور. إنَّ ما يشهدهُ السودانُ اليوم من استشراءٍ لخطابِ الكراهية ليس مجردَ كلماتٍ تُقال، بل هو إطارٌ من الأسلاكِ الشائكة، يُرادُ به سجنُ هذا الشعبِ العظيم في زنزاناتِ القبيلةِ والجهةِ واللون، وهو انحدارٌ مخيفٌ نحو هاويةٍ لا قاعَ لها، حيثُ يُصبحُ الآخرُ شريكُ الأرضِ والمصير عدواً لدوداً لا لشيءٍ إلا لاختلافِ السحنةِ أو المنبت.ق

لقد توهمَ البعضُ أنَّ تأجيجَ مشاعرِ البغضاءِ هو درعٌ يحميهم، وما دروا أنهم يفتحون أبوابَ الجحيم على بيوتِهم قبل بيوتِ جيرانهم. إنَّ نتائجَ هذا الخطابِ المسمومِ لا تقفُ عند حدودِ المشاداتِ الكلامية، بل هي الوقودُ الذي يحرقُ النسيجَ الاجتماعي، ويمزقُ تلك الجبّة السودانية التي اتسعتْ للجميعِ قروناً طويلة. حين تسودُ الكراهية، يخرسُ العقلُ وتعمى البصيرة، وتتحولُ القرى والمدنُ التي كانت تعجُّ بالحياةِ والتبادلِ والنسب، إلى جزرٍ معزولةٍ يتربصُ بعضُها ببعض، فتضيعُ التنمية، وينهارُ الأمنُ النفسي، ويغدو الوطنُ مجردَ خارطةٍ ممزقةٍ في مهبِّ الريح.

إنَّ كسرَ هذا الإطارِ المظلمِ يتطلبُ منا وقفةً مع الذات، وقفةً ندركُ فيها أنَّ قوتنا كانت دوماً في تعددنا، وأنَّ السودانَ ليس مجردَ رقعةٍ جغرافية، بل هو بيانٌ فلسفي لوحدةِ الأضداد. إننا بحاجةٍ إلى ثورةٍ في الوعي تعيدُ صياغةَ خطابنا العام والخاص؛ خطابٌ يستلهمُ من حضاراتِ (كوش ونبتة والفونج) معنى الانصهارِ العظيم، ويستبدلُ سياطَ اللسان بمدادِ المحبة. علينا أن نحطمَ جدرانَ التوجس، ونزرعَ في عقولِ الأجيالِ القادمة أنَّ الوطنَ ليس حكراً لأحد، بل هو سفينةٌ واحدة، إذا غرقَ طرفٌ فيها، لم ينجُ الباقون.
يا صاحبي، إنَّ الكراهيةَ هي موتٌ مؤجل، والمحبةُ هي الحياةُ الباقية. فدعونا نكسرُ إطارَ الضغينة، لنبني سوداناً يتسعُ للكل، حيثُ يكونُ معيارُ المواطنةِ هو العطاء، وشعارُ الوجودِ هو الإنسان. فما زالَ في الروحِ متسعٌ للوعي، وما زالَ النيلُ قادراً على غسلِ ما علقَ بالنفوس، إذا صدقتِ العزائمُ وانكسرتْ قيودُ الجهل.

شارك الموضوع
التعليقات
  • ﻻ توجد تعليقات حاليا

آخر الأخبار

أحدث الأعمدة الصحفية

الأكثر قراءة