حان الوقت لكسر الإطار التقليدي الذي يربط بين "التعليم" وبين التحضر. لعقود طويلة، حصرنا مفهوم الوعي في نيل الشهادات الأكاديمية والدرجات العلمية الرفيعة، وتغافلنا عن المقياس الحقيقي لنهضة الأمم، وهو الوعي السلوكي. كسر الإطار اليوم يعني مواجهة أنفسنا بشجاعة والمطالبة بثورة أخلاقية وسلوكية تفكك الأمية في تعاملاتنا اليومية.
إن التحضر الحقيقي لا يقاس بعدد المهندسين والأطباء والمثقفين في المجتمع، بل يقاس بكيفية تعامل هؤلاء في الفضاء العام. الأمية السلوكية تظهر عندما يغيب احترام النظام، وتغيب ثقافة التفكير النقدي، والذكاء العاطفي، والمسؤولية المجتمعية عن تفاصيل يومنا. الوعي هو أن تدرك أن حريتك تنتهي حيث تبدأ حرية الآخرين، وأن نظافة الشارع، وترتيب الطابور، واحترام القوانين العامة هي انعكاس مباشر لنظافة ورقي الجوانح.
نحن بحاجة اليوم إلى تحويل مجتمعاتنا ومجالسنا إلى أكاديميات مفتوحة للوعي نربي فيها الجيل الجديد على قيم المسؤولية المشتركة. التعليم الذي لا يثمر ذوقاً في التعامل، وبشاشة في الوجه، وحرصاً على سلامة وتناغم المجتمع هو تعليم ناقص. النهضة التي نستشرفها اليوم في تبدأ من تفكيك الأفكار المعلبة، ونبذ السلوكيات العشوائية، وزراعة إتيكيت سوداني أصيل ينبع من نبل قيمنا وتطلعاتنا نحو المستقبل.
المجتمع المتحضر لا ينتظر القوانين لتردعه، بل تقوده أكاديمية الوعي الداخلية نحو التميز والإعمار.