كل الألعاب

الحقيقة مجردة

رئيس التحرير / طارق أحمد المصطفى

خلينا من هل الطب مهنة انسانية؟ هل الطبيب انسان اساسا؟!

خلينا من هل الطب مهنة انسانية؟ هل الطبيب انسان اساسا؟!
منذ سنة
منوعات
مدير الموقع
34

كتبت / نهى محمد هاشم

انا قضيت الخدمة الالزامية في كلية الطب في الجامعة ..
وطبعا معروف انت كمجنّد خدمة الزامية.. بتشتغل اي شي في أي زمن تحت أي ظرف.. وتحمد ربك وتكون من الشاكرين انك لقيت خطاب حوجة من الأساس.. 

اها بتذكر يوم قالو لينا سنة تانية أو تالتة طب مامتذكرة.. عندهم امتحان عايزينكم مراقبين هناك.. قلنا طوالي تمام ماف مشكلة في ياتو قاعة؟ قالو لينا لا الامتحان مافي قاعة.. الامتحان في #المشرحه.. 
المشرحة؟! وانا اصلا كزوله خوافة وعندي فوبيا الموت.. حيلي برد وضغطي هبط ودي اصلا اول مرة اعرف انه الجامعة فيها مشرحة.. ماقدرت اتحرك الا قالو لي كلام مطمن كدة انه ماتتخلعي بي كلمة المشرحة دي.. وماتتخيلي انها مليااانة جثث مفتّحة في ترابيز وبتاع.. ابدا.. مشرحتنا دي أغلبها مجسمات وصور توضيحية وبوسترات ..

بس فيها جثة واحدة 

المهم استجمعت قواي وإيماني بالله.. ومشيت المشرحة.. اول مادخلت كشّفت كده.. فعلا اغلب الحاجات كانت تماثيل بلاستيكية.. مجسمات هياكل عظمية.. يدين وروسين ورُكب احساس خيمة الأشباح التعبانة بتاعة منتزه المقرن ديك.. 
يللا هناااااك في أقصى الركن.. في تربيزة بتاعة حديد طويله بي عجلات.. وفوق ليها كان ممدد المرحوم "الجثة"

صراحة لحدي ما وصلت كنت متوقعة اشوف زول ميت وبطنو مفتوحة وأعضاءه الداخليه ظاهرة وبتاع.. لكن طبعا الموضوع كان مختلف.. الجثة حقة راجل.. و راجل مهرود تماما.. لونه بني على شوال خيشي مبلول.. وشه مافيش.. شعره مافيش .. رقبتو مامفهومه.. باقي جسمه كله خيوط وعيدان.. 
الجثه دي منقوعه في محلول "فورمالين" تقريبا بيمرقوهو يمددوهو في التربيزة دي زمن اللاب بس ويرجع تاني.. 
يللا الراجل ده واضح انه منقوع في المحلول ده ليهو 5 سنة عديل.. وحسب ماعرفت لاحقا انه ماف جثث "فريش" في الجامعات اصلا.. لأنها دي رفاهية بالنسبه ليهم.. والجامعة لو جاتهم جثة جديدة ممكن يتبرعوا بالقديمة دي لي جامعة تانية.. بس المهم الجثة تكون بحالة جيدة..

انا ماعارفه حاله جيدة دي كيف والراجل نخرتو مافيشة 

المهم انا كنت في حالة بتاعة صدمة.. واقفه بعاين لي الجثة دي وبطني طامة ومغتية نخرتي بي منديل عشان مااستفرغ .. كنت مغمومة جدا وقلبي واجعني.. وكان مزاحماني #تساؤلات كتيرة.. انه الزول ده منو؟ ومات كيف؟ وميت ليهو كم؟ وهسه روحه وين؟ هسه هو شايف البيتعمل فيهو ده؟  

يللا بالمقابل الطلبة الممتحنين على صغر سنهم (اعمارهم أقل من 20 سنة) كانوا بيتعاملوا مع الجثة دي كإمتحان مااكتر.. وكل البيهمهم في الزول الممدد ده في اللحظة ديك هو أنهم يجاوبوا أسئلة الامتحان في الزمن المحدد..
طبعا الامتحان كان على طريقة mooooove المعروفة.. ديك.. اي طالب شايل ورقة الاسئله في يدو.. وعنده دقيقتين قدام المرحوم ده وزمنه ينتهي.. ف الطالب كان بيجي يقيف يعاين للجثة دي ويتفحص ويمد يدو يتابع العصب من القدم للركبة .. ويمشي يبحِّت تحت الأباط هناك ويكتب اجابتو ويمشي للمجسم البعدو.. الغريب في الموضوع بالنسبة ليّ كان: البنات.. الآنسات ياخوانا.. الرقيقات البي منتهى الجمال والفُل ميك اب.. والروائح الكوكو شانيل.. والارواج الفاقعة.. برضو بيقيفوا قدام المرحوم ده ويعملوا نفس العمليه دي..وبعداك بيواصلوا حياتهم عااادي  .. 

طبعا انا بفكر انه هم اكيد في بدايتهم مرّوا بي المرحلة بتاعة الصدمة حقتي دي وبطنهم طمّت وخافوا.. لكن مع الزمن "اتعلّموا" أو "اُجبِروا" انهم يتجاوزوها.. ويحافظوا على تركيزهم على ما هو أهم من تساؤلاتي ألفي راسي ديك لأنها مابتخدم الغرض..

لكن في نفس الوقت انا شايفة انه احساسي و تساؤلاتي ديك كانت من منطلق احساس بالرحمة وال compassion تجاه المرحوم ده..  والحاجة دي اللّي هي بتُنزع تدريجيا من الدكاترة ديل مما هم طلبة (وانا هنا بحكي موقف وااااحد لي طلبة في سمستر  3 أو 4.. فما بالك باقي السمسترات وشغل المستشفيات هم حيشوفوا شنو وحيتعرضوا لي شنو)

 المهم حس التعاطف البيُنتزع من الطلبة تدريجيا ديل.. بيتزرِع بدله احساس ال duty أو الواجب.. وهو البيخلّي الواحد فيهم يقدر يقيف بثبات قدام جثة عمرها 5 سنة.. أو قدام زول دمه سايل أو زول بيفرفر يمرق في الروح.. و يقدر يكون مركِّز علي الأسئلة الموضوعية.. وتقييم الحالة ومعالجة مايمكن علاجه.. بدون اي أحاسيس تانيه ممكن تأخرو أو تعمل ليه ديستراكشن

 فااا عموما الدكاترة ديل بي سلوكهم الحالي ده النحن بنشوفو ك ايقو متضخم أو افترا أو شئ من الطنقعة.. هو ما كدة ابدا.. هو نتاج طبيعي لي سنين التعذيب النفسي الممنهج الببتعرضو ليهو من اول سمستر ده .. فااا لمن تجي تقيف قدام دكتور.. عادي جدا انه يتجاوز أحاسيسك ومشاعرك ووضعك الاجتماعي ومواقفك الأخلاقية وكل قشريات/وطبقات شخصيتك الانت اجتهدت انك تشكِّلها عشان تتعايش بيها في الكوكب ده.. ومايكترث ليها نهائيا.. وتكون انت بالنسبة ليهو يا امّا "بيشنت" او "مباصي" الله يرحمك
ده إذا قال ليك الله يرحمك 

التعليقات
ﻻ توجد تعليقات حاليا